المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وداعا حبيبتي


سنيورا
08-15-2004, 04:32 PM
قبل فترة ليست قليلة من الزمن ، كنا نسكن في قرية الحب والجمال في منزلنا القديم ، كان لنا منزل في تلك القرية الساحرة ، وفي فناء المنزل قمت بعمل حديقة صغيرة ، فيها بعض الشجيرات ، وكانت توجد في تلك الحديقة زهرة جميلة ، هي غاية في الروعة ، كنت أحرص على راحة تلك الزهرة ، ويكمن هذا الحرص أنني قمت بعمل حوض صغير حولها، وفي صباح كل يوم أقوم بتنظيف هذا الحوض مبعدا أوراق الشجر التي سقطت داخل الحوض ، وبعد ذلك أقوم بإسقائها الماء ، كنت أحب تلك الزهرة ، ولا أعلم ما سبب هذا الحب ! كذلك لا أعلم هل كانت تلك الزهرة تحبني أم لا ! مضت أيام على حبي لتلك الزهرة ، ويوما عن يوم يزداد حبي لها ، لأني كنت أرى فيها الجمال النادر ، وأجد في أوراقها الصفاء والنقاء عن كل ما هو مكروه في هذه الحياة ، لأن هذه الزهرة في اعتقادي الشخصي لم تخلق إلا للجمال ولا غير ذلك ، كي نرى إبداع الخالق جل وعلا في تكوين هذه الزهرة ، مضى بنا هذا الحال بضعة أشهر ، وفي يوم من الأيام اشترى والدي منزلا جديدا غير هذا المنزل الذي نسكن فيه ، والذي توجد فيه هذه الحديقة ،وأكد لنا بأننا سننتقل إلى المنزل الجديد في غضون أيام قليلة جدا، فرحت مثل باقي أسرتي بالمنزل الجديد ، ولكن في نفس الوقت حزنت على تلك الزهرة الجميلة ،وكيف أني سأفارقها ، وبعض أيام قال أبي بأننا سننتقل بعد صلاة العشاء إلى المنزل الجديد ، قامت الأسرة بسرعة البرق كل يجهز حقائبة فرحين بالمنزل الجديد ، إلاّ أنا لم أجهز لا حقيبة ولا أي شيء ، لأنني كنت أفكر في أن أرجع إلى المنزل وحدي غدا كي أجهز حقائبي وأودع الزهرة الجميلة ، وبعد دقائق ركبت السيارة مع أسرتي وذهبنا إلى المنزل الجديد ، وإذا بأسرتي الكل منهم يقول : هل المنزل كبير ، هل به غرف كثيرة ، والكل منهم يصيح أنا سآخذ غرفة لوحدي يا والدي ، أما أنا فقد كنت أفكر في تلك الزهرة ، من سيرعاها ! من سيسقيها الماء ! من سينظف حوضها من الأوراق ! أسئلة حائرة دارت في فكري ، ويا للأسف لم أجد لها إجابة ، وحينما وصلنا إلى المنزل الجديد أو الكبير على قول أسرتي ، الكل منهم نزل من سيارة والدي مسرعين ليدخلوا المنزل الجديد ، إلاّ أنا ، فقد استأذنت من والدي كي أرجع إلى المنزل لأحضر حقيبتي ، لأني ادعيت بأني نسيت الحقيبة وأريد أن احضرها ، وكل تفكيري في هذه الحيلة أن أرجع إلى المنزل لأسلم على تلك الزهرة وأسقيها الماء ، لأنني ربما لا أستطيع أن آتي إليها في الغد ، وفعلاً رجعت إلى المنزل ، وحينما وصلت إليه أضئت أنوار الفناء الخارجي ، ثم ذهبت إلى الحديقة الصغيرة ، ورأيت الزهرة ، أسقيتها الماء ، ونظفت حوضها ، ثم جلست بجانبها ، أخذت أفكر في الوداع الذي سيحين ، وفي الأخير لم أستطع أن أودعها ، لأني استصعبت الوداع على منهم مثلي حينها عرفت أن أصعب شيء على الإنسان هو وداع من يحب ، ثم أطفئت الأنوار وخرجت من المنزل ، وأنا في الطريق إلى المنزل الجديد خطرت لي فكرة ، هو أن طريق المدرسة هو نفس الطريق المؤدي إلى منزلنا القديم ، فإذا خرجت من المدرسة سأقوم بزيارة منزلنا القديم ، لأسقي الزهرة وأعاملها كما لو أني لا زلت أسكن في هذا المنزل ، وفعلا مضت شهور وأنا على هذا الحال ، كلما خرجت من المدرسة مررت بالمنزل القديم وأسقيت الزهرة ، وقمت بتنظيف حوضها ، وفي يوم من الأيام جاء رجل إلى والدي ، في حقيقة الأمر لم أعرفه ، ولكني والدي كان يعرفه ، حيث تعرف عليه عن طريق العم أحمد تاجر العقار ، وهذا الرجل جاء ليشتري من والدي منزلنا القديم ، فوافق والدي في الحال ، عندها حكم على هذه الزهرة بالحرمان من رعايتي لها ، وحكم علي بالنسيان الأليم تجاه هذه الزهرة ،بعد ذلك كنت كلما خرجت من المدرسة ذهبت إلى جوار المنزل القديم ، أسير بجانب سوره، أتذكر الأيام الجميلة التي قضيتها مع تلك الزهرة ، وبعد حوالي ثلاثة أشهر وبينما أنا جالس مع والدي في المنزل وبالتحديد في غرفة الجلوس ، سمعنا صوت الهاتف وإذا به صاحب المنزل القديم يريد والدي ، وبعد أن انتهى والدي من محادثته قال : إن صاحب المنزل القديم يدعوني لزيارته اليوم بعد صلاة المغرب ، فرحت فرحا شديدا وتوسلت إلى والدي أن أذهب معه لزيارة المنزل القديم ، تعجّب والدي من توسلي إليه ولكنه وافق ، وبعد صلاة المغرب ذهبنا أنا ووالدي لزيارة المنزل القديم ، لأن والدي كان قصده من الزيارة هو صاحب المنزل ، أما أنا فكانت الزهرة هي مقصدي الوحيد من هذه الزيارة، وكم كنت متشوقاً لتلك الزهرة ،كأني أريد أن أفتح باب السيارة بسرعة، وما أكثر إشارات المرور التي واجهتها في هذا الطريق ، وفي الأخير وصلنا إلى المنزل القديم ، فرحب بنا صاحب المنزل ، وحينما دخلت المنزل ، صوبت نظري فورا إلى الحديقة التي على يساري ، فلم أستطع أن أنظر إلى الزهرة ، فالأشجار الصغيرة التي غرستها قد كبرت وطالت ، فرحت بعض الشيء لأن هذه الأشجار تحمي الزهرة من حرارة الشمس والتي تجفف عنها الماء ، دخلنا أنا ووالدي إلى مجلس المنزل ، قدم صاحب المنزل القهوة ثم قدم الشاي ، واخذوا يتحادثون هو ووالدي ، أما أنا فلا أريد لا قهوة ولا أي شيء، أريد فقط أن أرى تلك الزهرة ، فأنا مشتاق جدا لرؤية تلك الزهرة والسلام عليها ، وبعد مضي يعض الوقت استأذنت صاحب المنزل لأتوضأ لصلاة العشاء ، تعجب والدي من سبب الاستئذان وقال : لقد بقي على أذان العشاء تقريبا نصف ساعة ، ولكن صاحب المنزل قال لوالدي : لم لا تدعه وشأنه ، ثم التفت إلى وقال :أنت تعرف المنزل وتعرف أين تقع المغاسل ، فاذهب وتوضأ ،في حقيقة الأمر سعدت بهذه الفرصة الذهبية التي جاءت لي من السماء ، وحينما خرجت من المجلس ، تسلّلت إلى فناء المنزل دون أن يشعر أحد ، وذهبت فورا إلى الحديقة الصغيرة ، والتي تسكن فيها أجمل زهرة رأتها عيني ، وحينما دخلت الحديقة ... صعقت ، وآه وألف آه ليتني لم آتي إلى الحديقة ، ولم آت أصلا إلى هذا المنزل ، رأيت الزهرة وقد توسّدت التراب ، وأوراقها قد تلطخت بالأوساخ ، وقد تغيرت ألوانها وكأنها قد جفت من الظمأ ، وحوضها قد تواسى أيضا مع التراب ، رأيت الصنبور الذي كنت أسقي منه الزهرة قد تكسّر ،رأيت الحصيّات التي كنت أجمّل بهن حوض الزهرة قد تناثرت في ساحة الحديقة ، حزنت عليها ، وندمت على هجرها كل هذه المدة دون سقاية أو رعاية ، ولكن ليس باليد حيلة ،وفيما أنا جالس أفكر في هذه الزهرة ، وكيف أني رأيت نهايتها ،إذا بي أسمع صوت أذان العشاء ، وإذا بوالدي وصاحب المنزل من ورائي ينظرون إلي ، وصاحب المنزل قد تفاجأ وتعجب حينما رآني داخل حديقة منزله، لكن والدي قال له : إن هذه الحديقة كان يعتني بها ولدي كثيراً ، وقد جاء إلى هذه الحديقة كي يسترجع ذكرياته ،فقال صاحب المنزل : إن أولادي لا يلعبون الكرة إلاّ في هذه الحديقة ، بعد هذه الكلمة من صاحب المنزل عرفت أن موت تلك الزهرة الجميلة أداة مفرحة تسعد أبناء صاحب المنزل ، بعد ذلك استأذن والدي للخروج من المنزل شاكرا له ضيافته ، وأنا لا أدي أأشكره على ضيافته أم أعزيه في وفاة تلك الزهرة ، وحينما هممت لأركبت سيارة والدي نظرت إلى منزلنا القديم وإلى الأشجار التي طالت وأراها فوق السور والدموع تسيل من عيني لأقول : وداعاً أيتها الأيام الجميلة ، وداعا أيتها الذكريات الخالدة ، وداعـــــــــــا زهرة الدمام .
وبينما نحن في الطريق إلى منزلنا الحالي كنت أفكر في الزهرة ، كنت أفكر في اهتمامي لها ، ووداعي لها ، كنت أفكر في اشتياقي لها وحزني عليها ، قبل حوالي ساعة من الزمن كنت ذاهب مع هذا الطريق فرحا بلقائها، وفي نفس هذا الطريق رجعت حزينا على موتها،وبعد تفكير في هذه الزهرة عرفت أن الحب نعمة من الله ، فالحب هو من جعلني أتحسّر على هجر منزلنا القديم ، وهو من جعلني أمرّ على منزلنا القديم بعد خروجي من المدرسة ، وهو من جعلني أسير بجانب سور المنزل القديم ، وهو من جعلني أذهب مع والدي إلى المنزل القديم ، وهو من جعلني أحتال على والدي وعلى صاحب المنزل بالوضوء كي أرى الزهرة ، وهو الذي جعل دمعي يسيل على موتها ، صحيح أن الزهرة الجميلة قد ماتت ، ولكنها أعطتني درسا لن أنساه وهو أن الحب لم ولن ولا يموت أبدا ، ولا أقول إلا وداعا حبيبتي الزهرة ، وداعا حبيبتي .
مع أطيب تمنياتي
غرام

بنـ النورــت
08-15-2004, 04:55 PM
(sm012)

يسلمو علي المشاركه الرائعه

سي يووو

سلمان2005
08-19-2004, 02:04 AM
يسلموا اخوي غرام الشرق(sm012)

سنيورا
09-02-2004, 03:39 AM
الأخت : بنت النور المحترمة
تحية طيبة ..وبعد :
أشكرك على قرائتك لهذا الموضوع ، وأشكرك أكثر على إتحافي بمشاركتك .
وتقبلي فائق أمنياتي ،،،
غرام

سنيورا
09-02-2004, 03:41 AM
إلى الحبيب إلى القلب : سلمان 2005 المحترم
تحية طيبة ..وبعد :
أشكرك جزيل الشكر على مروركم الكريم ، وشهادتكم الغالية .
وتقبل فائق أمنياتي ،،،،
أخوك : غرام الشرق

الأسيـــــر
09-07-2004, 03:51 AM
اهدايك هذي الورده

سنيورا
09-07-2004, 12:02 PM
الأخ الغالي : فؤاد 2009 المحترم
تحية طيبة .. وبعد :
أشكرك على مرورك ، وأشكرك أكثرعلى قراءتك ، وأشكر أيضا على روعة إختيارك في دبلوماسية إهداءك ، ورومانسية عباراتك .
وتقبل فائق أمنياتي ،،،
غرام

سنيورا
09-28-2004, 12:42 AM
ماتت الزهرة .. وعاش حبها .. لأنها عاشت لحبها .. فعاش حبها من بعدها .
غرام

سنيورا
09-28-2004, 01:14 AM
كل واحد منا ودع بيوم زهرة بحياته
بس مالنا الحيله والحياة تستمر
ولا توقف عند احد
أجمل ما بالوداع انه يزرع حب الاشياء الي نحبها فينا اكثر
بالذات اذا الوداع مالك يد فيه
تحب الشي اكثر
احساسك الصادق دايم يهز دواخلنا
بالتوفيق غرام الشرق

سنيورا
09-28-2004, 01:18 AM
الأخت : leen المحترم
تحية طيبة .. وبعد :
أشكرك جزيل الشكر على قرائتك للموضوع ، وأشكرك أكثر على مشاركتك الغالية والتي حملت التشجيع الغير مستغرب من فكركم الراقي ، وأشكرك أيضا على كلماتك الممتعة من عقلك المبدع .
وتقبلي فائق أمنياتي ،،،
غرام